ازدهرت في السنوات الأخيرة تجارة المنتجات المضادة للبكتيريا "Products Antibacterial" بحيث غدت اليوم تتجاوز السبعمائة صنف بينما لم تكن تتعدى بضعة عشرات في منتصف التسعينيات .
ونجد من بين هذه المنتجات صابون الأيدي ومنظفات المطابخ والحمامات والأرضيات والنوافذ، الدهانات وألعاب الأطفال وأواني حفظ الطعام وغيرها العديد التي يدّعي مصنعوها بأنها قادرة على التخلص من 99.9% من الجراثيم .
لكن الدراسات العلمية توصلت لانعدام وجود أدلة علمية تثبت بأن استخدام المنظفات المنزلية المقاومة للبكتيريا يؤدي لفوائد صحية، بل وعلى العكس تماماً فإنها قد تؤدي لنتائج سلبية تتمثل بازدهار سلالات مقاومة من البكتيريا الضارة في المنزل وبظهور حالات حساسية وربو (أزما) لدى سكان المنزل، أي ما يشبه ظاهرة المقاومة الموجودة في المستشفيات والتي تؤدي لظهور سلالات من الميكروبات المقاومة.
وينصح الخبراء باستخدام الصابون الذي يحتوي على مواد قاتلة للبكتيريا لغسل الأيدي Antibacterial، لكن استخدامه غير محبذ للاستحمام حيث أانه إن كان يؤدي بالتأكيد لقتل البكتيريا المضرة للجسم فإنه يتخلص من البكتيريا المفيدة أيضاً مما قد يؤدي في المستقبل للتسريع بتأثر الجسم بميكروبات لم تكن في السابق ذات ضرر كبير.
ورغم أن استخدام السوائل المنظفة للأيدي والمقاومة للبكتيريا ليس بالأمر الصعب إلاّ أننا نجد في بلدان عديدة على العبوة شرح عن طريقة الاستخدام لا نجده على العبوات المماثلة في الولايات المتحدة على سبيل المثال وذلك لأن القوانين الفيدرالية (Federal Trade Commission FTC وكذلك مؤسسة حماية البيئة EPA) تعتبر أي منتج يحمل على غلافه تفصيل حول طريقة عمله واستعماله (مادة مُضادة للبكتيريا أو مزيله للقشرة أو تساعد على نمو الشعر أو التخلص من حب الشباب) بمثابة دواء يحتاج لترخيص خاص.
وكما هو الحال في تصنيع وبيع الأدوية، فإن عملية تصنيع صابون مُضاد للبكتيريا ليست بالأمر السهل وتتطلب الكثير من الوقت والجهد والكلفة واتباع إجراءات دقيقة والتقيد بقوانين وأنظمة خاصة.
وكذلك الأمر فيما يختص بصياغة البيانات وشروط الاستعمال وإلصاقها على عبوة المنتج فهي تتطلب شروط معينة يجب التقيد بها إضافة إلى ضرورة تنبيه المستهلك لبعض المعلومات الحيوية والتحذيرات مثل: " للاستعمال الخارجي فقط "، أو " الابتعاد عن تعريضه للعيون "، أو " التوقف عن استعماله في حالة ظهور احمرار أو تهيج ".
وتفرض الأنظمة المتبعة في الدول الغربية على المصنعين عدم استخدام ألفاظ تصف منتجهم بأنه مُضاد أو مانع للبكتيريا ولكن يُسمح لهم باستخدام وصف اَخر مثل: " يحتوي على مواد مُضادة للبكتيريا ".
وبطبيعة الحال فإن القوانين تفرض على المصنّع إثبات أن منتجه فعال وقد تم فحصه بطريقة علمية وأنه مُرخص من قبل مديرية الغذاء والدواء، والأهم أن يكون الإعلان عنه مطابقاً للحقائق العلمية المتوفرة وأن تتضمن النشرة الملصقة على العبوة رقم هاتف مجاني مثل أي دواء يستطيع المستهلك من خلاله الاستفسار أو إبداء الرأي على أن يلتزم المصنع بالرد عليه من قبل موظف مختص في الشركة.
ومثال على ذلك ما نجده في نشرات شركة Colgate-Palmolive المصنعة لمعجون الأسنان Colgate Total حيث يقرأ المستهلك بأن هذا المعجون هو الوحيد الذي يُساعد على منع حدوث التسوس والتهاب اللثة والمُوافق عليه من قبل مديرية الغذاء والدواء الأمريكية FDA وجمعية أطباء الاسنان الامريكية، وهذا صحيح 100% وتستطيع شركة كولجيت الإعلان بهذه الطريقة كونها حصلت على موافقة ال FDA في عام 1997 بعد أن أضافت لتركيبة المعجون مادة الترايكلوسان المُضادة للجراثيم.
ونجد مثالاً مختلفاً يتمثل بما قامت به شركة أخرى مشهورة بجديتها وهي شركة Uniliver المصنعة لعلامة فازلين حيث أعلنت عن منتج جديد لها عبارة عن كريم للأيدي مضاد للبكتيريا يعمل على منع ظهور الجراثيم لفترات أطول مما يؤدي إليه غسل اليد لوحده ويوفر حماية متواصلة لساعات ضد ظهور الجراثيم المسببة لبعض الأمراض مثل الرشح والانفلونزا. لكن مؤسسة FTCأبدت بعض التحفظات على هذا الإعلان وذلك لأنها لم تجد أدلة علمية قاطعة تُثبت بأن هذا المنتج يمنع ظهور الجراثيم على الأيدي لفترة أطول من غسل الأيدي المعتاد، كذلك فالمادة الفعالة التي يحتويها المنتج، أي ال Triclosan، تقلل بالفعل من عدد الجراثيم على الأيدي ولكن حسب ال FTC فلا يوجد ما يحدد علمياً درجة الفعالية ومدتها إضافة إلى أن مفعول ال Triclosan ضد الفيروسات المُسببة للرشح والانفلونزا لم يتم التحقق من حقيقته بشكل علمي كاف، ولهذا فقد اعتبرت ال FTC هذه الإعلانات غير دقيقة وتخالف القوانين بسبب إظهارها للمنتج بصورة غير مطابقة للمعطيات العلمية المتوفرة لديها.
ونتيجة لذلك قامت ال FTC بإتخاذ إجراءات جديدة تلزم الشركات المصنعة بإثبات ما تحتويه منتجاتهم بدقة مضيفة بأن "من حق المُستهلك أن يعرف أن لا شيء يغني عن غسل الايدي بالماء والصابون للحماية من الجراثيم المسببة للأمراض مثل الرشح والانفلونزا"، ونظراً لعراقة شركة Uniliver وجديتها ورغم عدم موافقتها على استنتاجات ال FTC فإنها وافقت على وقف الدعاية لمنتجها بصورته الحالية.
ونظراً لأهمية وحساسية الموضوع بالنسبة للمستهلك، فلقد قامت شركة متخصصة أخرى تصنع معقم الايدي Suave Antibacterial Hand lotion الذي يحتوي على مادة Ethyl alcohol المعروفة بفعاليتها في قتل بعض أنواع البكتيريا فور ملامستها لها، بتخصيص موقع الكتروني متخصص بالإجابة على أسئلة المستهلكين.
ومن هذه الأسئلة إن كان لتعقيم الأيدي مفعول؟ فيكون جواب خبراء الشركة: نعم يمكن لمعقم الأيدي بالفعل المساعدة في تقليل عدد الجراثيم على الجلد وينصحون بحمل عبوة صغيرة تحتوي على معقم إن تعذر توفر ماء وصابون مكان تواجدهم. والملاحظ أن جواب الشركة لا يجزم بقدرة المعقم على قتل البكتيريا لكن بتقليل عددها ودون الإدعاء بأن المعقم يعود بفوائد تفوق استخدام الماء والصابون لكنه بدون منازعة أفضل للجسم من عدم غسل الأيدي.
وهذه هي النتيجة التي يتوجب على عامة الناس معرفتها والتي توصلت إليها غالبية أبحاث الشركات المصنعة لمعقمات الأيدي التي أستنتجت بأنه لا يوجد دراسة واحدة تثبت أن استعمال معقمات الايدي أكثر فعالية من غسل الايدي الجيد بالماء والصابون، بل وقد أظهرت إحدى الدراسات بأن غسل الايدي بالماء والصابون لمدة 20 ثانية أفضل من استعمال معقم يحتوي على نسبة 70% من Ethyl alcohol، وبأن ليس هناك مفعول مستمر للترايكلوسان ولا حتى لمادة الكحول التي تتوقف فعاليتها في قتل الجراثيم حالما تتبخر.
وقد اتضح بأن تراكم التحذيرات على عبوات المواد المعقمة للأيدي والمقاومة للبكتيريا قد يؤدي لتأثير سلبي على تفكير المستهلك وبوجه الخصوص فيما يخص تلك التي تحتوي على مادة الكحول وإمكانية تسببها بتهيج أو احمرار في الجلد او العين، أو ضروة عدم اقتراب الأطفال منها وإبعادها عن مصادر اللهب لكونها سريعة الاشتعال، وهذه التحذيرات المهمة والعلمية للمستهلك قد تؤدي به للتردد في استعمال المنتج والتخوف منه لكن الأنظمة في الدول الغربية تفرض توعية المستهلك حول كافة المخاطر والاَثار الجانبية المترتبة عن استخدام المواد المعقمة المقاومة للبكتيريا.
قبل عدة سنوات تم إجبار 7 شركات في الولايات المتحدة على التوقف عن الادعاء بأن منتجاتهم تحمي المستهلك من البكتيريا. هذه المنتجات شملت الواح التقطيع، معدات وأدوات للمطابخ. وتم إعلام المستهلك بأن امتلاكه لأي من هذه المنتجات لا يحميه من تكاثر البكتيريا المسببة للتسمم الغذائي كما تدعي هذه الشركات.
وفي مجال الدعايات التجارية أيضاً فقد وجدت شركة Hasbro المصنعة للألعابPlayskool نفسها ملزمة بوقف تسويق تسعة من ألعابها التي تحتوي على مادة Microban وفرض عليها القضاء غرامة 120 ألف دولار وذلك لأنها قامت بإلاعلان عن هذه الألعاب وكأنها قادرة على حماية الاطفال من البكتيريا المسببه للأمراض مما اعتبرته ال FTC مخالفاً لقواعد الإعلان والمعطيات العلمية.
ووجدت هذه الشركة نفسها مضطرة لشن حملة دعائية إعلامية واسعة لاستعادة ثقة المستهلكين من جراء هذه "الورطة" وخصوصاً لأن الشركة المصنعة للمادة الفعالة التي تحتويها الألعاب أي ال Microban قد نشرت على موقعها الالكتروني تحذيراً للمستهلك بأن وجود هذه المادة في أي منتج لا يغني عن ضرورة القيام بتنظيفه كأي منتج اَخر وأنه وإن كانت مادتهم تمنح حماية إضافية بين عمليات التنظيف فإن ذلك لا يغني عن اتباع قواعد النظافة السليمة مثل غسل الأيدي وتنظيف المنتج.
نستنتج من ذلك بأن لاستخدام المواد المعقمة المقاومة للبكتيريا فوائد جمة مثبتة علمياً، وأنه لم يعد بالإمكان الاستغناء عن مثل هذه المواد في الحياة اليومية، ولكن ما رغبنا التوصل إليه هو الحزم الذي تتبعه مؤسسات الرقابة في الخارج من أجل منع الشركات المصنعة من الإدعاء بأن هذه المنتجات تحمي المستهلك من الأمراض أو أنها تغني عن استعمال الصابون لمجرد استدراج المستهلك وزيادة مبيعاتها.